المقريزي

365

إمتاع الأسماع

عليه صدرا من ( كهيعص ) ( 1 ) ، فبكى النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكوا أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم ، ثم قال : إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى عليه السلام ، انطلقوا راشدين ، لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عينا . فخرجنا من عنده وكان أبقى الرجلين فينا : عبد الله بن أبي ربيعة ، فقال عمرو ابن العاص : والله لآتيه غدا بما أستأصل به خضراءهم ، ولأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد - عيسى ابن مريم - عبد ، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة : لا تفعل ، فإنهم وإن كانوا خالفونا ، فإن لهم رحما ولهم حق ، فقال : والله لأفعلن . فلما كان الغد ، دخل عليه فقال : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما ، فأرسل إليهم فاسألهم عنه ، فبعث إليهم ولم ينزل بنا مثلها ، فقال بعضنا لبعض : ماذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه ؟ فقال : نقول والله الذي قاله فيه ، والذي أمرنا به نبينا أن نقول فيه ، فدخلوا عليه وعنده بطارقته ، فقال : ما تقولون في عيسى [ ابن ] ( 2 ) مريم ؟ فقال له جعفر : نقول : هو عبد الله ورسوله ، وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول . فدلى النجاشي يده إلى الأرض ، فأخذ عويدا بين أصبعيه فقال : ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العويد ( 3 ) ، فتناخرت ( 4 ) بطارقته فقال : وإن تناخرتم ( 4 ) والله ، اذهبوا فأنتم سيوم - والسيوم الآمنون - من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم ( ثلاثا ) ، ما أحب أن لي دبر ، أو أني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسانهم : الذهب - فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه ؟ رددوا عليهما هداياهما ولا حاجة لي بها واخرجا من بلادي .

--> ( 1 ) مريم : 1 . ( 2 ) زيادة للسياق والبيان . ( 3 ) العويد : تصغير عود . ( 4 ) نخر : صوت من خياشيمه .